علي الهجويري
112
كشف المحجوب
فإني مشغول بالاستعداد له ؟ وعندما رجع أهل قرن من مكة أظهروا احتراما كبيرا لأويس فترك بلدته وذهب إلى الكوفة . وفي يوم رآه هرم بن حيان ، ثم لم يره أحد بعده ، حتى نشبت الحرب بين على ومعاوية ، حيث حارب مع علي ، وسقط شهيدا في معركة صفين ، عاش حميدا ومات شهيدا . يروى عنه أنه قال : « السلامة في الوحدة » ، ذلك لأن قلب المنعزل عن الناس خال من الأفكار الخاصة بالغير ، ولا يأمل في شيء من الناس حتى يسلم جملة من شرورهم ، ويحول وجهه عن جملتهم . ولا يظن أحد أن الوحدة هي مجرد الحياة على انفراد ، فلا يعتبر وحيدا من ارتبط قلبه بالشيطان ، وتسلطت عليه النفس والشهوات ، وخامرته أفكار خاصة بهذا العالم أو العالم الآخر ، ذلك أن سروره بالشئ نفسه ، أو بالتفكير فيه سواء ، فالوحيد إذا تحدث لا يؤثر الحديث في وحدته ، والمشغول لا تكون العزلة سببا في راحة باله ، وإذن فالانقطاع عن الأنس لا يكون إلا بالإنس ، فذلك الذي يستحق الأنس لا تحوله مخالطة الأنس وذلك الذي يملك مؤانسة الأنس لا يعبر الأنس بقلبه ، ولا يكون له نصيب من أنس الحق لأن الوحدة صفة عبد صاف سمع قوله تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ « 1 » . 2 - ومنهم هرم بن حيان رضى اللّه عنه ، وهو من عظماء الطريقة وله في التقوى حظ وافر ، لقى كرام الصحابة . ذهب ليزور أويسا القرني ، ولكن ما أن وصل إلى قرن حتى وجد أن أويسا قد غادرها ، فاشتد به الأسى ، فرجع إلى مكة ، ليعلم أن أويسا يعيش بالكوفة ، فاتجه نحوها . ولكن ظل مدة طويلة ؛ دون أن يهتدى إليه . وأخيرا رجع متجها إلى البصرة ، وفي طريقه إليها رأى أويسا مرتديا حلة مرقعة ، يتوضأ على شاطئ الفرات ، وعندما جاء أويس قريبا من شاطئ النهر ، وأخذ يمشط
--> ( 1 ) سورة الزمر آية 36 .